كتّاب وآراء

يوميات أستاذة في أرياف تونس

آخر السنة آخر حصة… الأحلام.. اليوم في القسم وبعد إنهاء البرنامج الرسمي خطر لي أن أدردش مع تلامذتي فيما تبقى من الساعة والسنة وسألت تلاميذ السابعة أساسي عن طموحاتهم وأحلامهم ماذا يريدون من المستقبل ..أغلبية التلاميذ لم تعد لهم أحلام غير الهجرة والحرقة غير الشرعية” والقلة القليلة منهم الذين ردوا على سؤالي بين طبيب محامي وسألت تلميذتي أحلام عن حلم مسقبلها ولم تجبني وقالت حرفيا: “آنستي بعد نقلك وحدك آخر الحصة “.

جاءت أحلام وقلت لها حديثيني عن أحلامك يا أحلام فأجابتني وعيونها تلمع “آنستي نحب نولي أستاذة تربية تشكيلة كيفك إنت ونحب نكون إنت بالضبط آنستي ”
تنهدت ونظرت إليها وأنا لا أود ُ كسر خاطرها،  وقلت لها لماذا التعليم ؟، أجابتني “آنستي خاطر نحبك وإنت مثَلي “.
قلت لها: أحلام “تنجم تحبني وتختار مهنة أخرى “، تجيبني أحلام في إصرار أتذكره إنه إصراري وتحدي خبرته في نفسي، لا آنستي نحبك ونحب نكون كيفك.

تمنيت لأحلام تحقيق حلمها وقلت لها نصيحة مني تذكري هذة الساعة وتذكري الحصة حيث قلت لك ونصحتك التعليم مهنة شاقة تـأخذ منك صحتك ، وقتك وعمرك ، وعلى مراحل تذوب كالشمعة لتضيئ الطريق لآخرين لأني مذ سنوات كنت في مكانك يا أحلام … ،أجابتني بضحكة من القلب وعيون تلمع وقلب أسمعه، “آنستي المهم نكون كيفكْ ”
وعانقتني بشدة أحسست معها أنها إبنتي .

وتمنيت لو منعتها عن ذلك الكابوس .. وفي قرارة نفسي تمنيت لها النجاح والتوفيق وغادرتْني أحلام الوردية .. وبقيت وحدي في القاعة وعادت بي ذاكرتي إلى هنا هذا المكان “إمارة سجنــ.ان.. “.

منذ بضع سنوات وفقا لرسالة تلقيتها من وزارة التربية تعلمني بتعييني هناك “سجنـ.ان.. ” لم أكن أعلم أن الإسم يعني سجنين كانا وقت الإستعمار الفرنسي، أتذكر يومها طرت فرحا قبلتُ أمي وأبي بشدة رتبت حقائبي بسرعة ليلتها لم أنم وأنا أحلم بالميدعة البيضاء ،الدرس التلاميذ ، الطلاسة ،الطباشير ضللت أعيدُ مرات ومرات أمام المرآة كيفية تقديم نفسي للتلاميذ ، لمادتي ،حول كيفية تعليمهم ،كيف أجعلهم يحبونني ، ماهي القيم ، التي سأزرعها فيهم .

كنت ولازلت مؤمنة أن التعليم رسالة وأنني يجب أن أمرر رسائل الحب ..حب الوطن ، الناس ، الخير ، الجدية ،الإنضباط كنت أقرب للمثالية في أحلامي، أحلامي التي رتبتها مع حقيبة سفري الأولى حقيبة الإغتراب عن الذات إصتدمت بقوة مع واقع التعليم والحياة مع أول ليلة قضيتها في تلك القرية النائية.. وصفعني القدر مرات طوال سنوات سرقها التعليم من عمري ستة عشرة عاما من التضحية والألم والموت البطيئ على نار هادئة نسيت خلالها أني إمرأة … لم أبالي بنصيحة أساتذتي حين قالو لي مرارا وتكرارا إختاري طريقا غير التعليم.

أتذكر واقعة إعتداء تلميذ على أستاذه بأحد المعاهد التونسية بسكين وأتذكر هجوم شخصين من خارج المؤسسة التربوية في قسمي وحالة الهلع التي إنتابتني، يقول أفلاطون “إنّ الشّخص الّذي يُهمل التّعليم، سيسير أعرج حتّى نهاية حياته”. شخصيًّا أتّفق كثيرًا مع هذا القول، باعتبار أنّ التّعليم يُعدّ العامل الأساسي لارتقاء الشّعوب وتقدّم المجتمعات وانتشال أجيال من غياهب الجهل والأميّة. فمن يُهمل التّعليم سيسير أعرج بخطى غير واثقة ولا مُتمكّنة، أعرج فكريًّا ومعرفيًّا دُون دليل يُرشده في حياته.

لكن للأسف، لقد أهملت الحكومات المُتعاقبة في تونس طيلة سنوات، المنظومة التّعليميّة فشهدت انتكاسات ونقائص عديدة أدّت إلى تراجع جودة التّعليم وتفشّي ظواهر أربكت بعض المؤسّسات التّعليميّة نتيجة تراخي الأطراف المسؤولة في الدّولة في تطبيق الإصلاحات الجذريّة، وتنصّل بعض مُؤسّسات التّنشئة الاجتماعيّة الأخرى أيضًا من دورها في الارتقاء بواقع التّعليم.

شهدت منظومة التعليم انتكاسات ونقائص عديدة أدّت إلى تراجع جودة التّعليم وتفشّي ظواهر أربكت بعض المؤسّسات التّربوية نتيجة تراخي الأطراف المسؤولة في الدّولة في تطبيق الإصلاحات الجذريّة.

أما عني اليوم أصبحت لا مبالية و أمضي في الطريق الذي إخترته وسطره القدر ربما غيرت الرياح وجهتي في الأيام القادمة ربما غيرت المكان والزمان وأنا هنا أنظر إلى الأفق البعيد إلى الجبال العالية وأرنو التحليق عاليا بعيدا عن التعليم .

وللحديث بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى