fbpx

مجلة أخبار السياحة

أخبار السياحة

بعد أن تعرضت معظم المدرجات الزراعية في السعودية للتهميش والاندثار، قامت وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية بإطلاق مبادرة تأهيل المدرجات الزراعية في الجنوب الغربي من المملكة تشمل كلا من الطائف والباحة وعسير وجازان بتكلفة بلغت 600 مليون ريال وذلك وفق برنامج من أربعة محاور أساسية ترمي إلى ” استصلاح المدرجات الزراعية وتأهيلها، وتطبيق تقنيات حصاد مياه الأمطار ونظم الري الحديثة، وتطوير الزراعة المحصولية، وتعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية”.

تاريخ المدرجات الزراعية

تشير المصادر إلى أن زراعة المدرجات هي من اختراع شعب “الإنكا” بأمريكا الجنوبية، كما يؤكد الخبراء أنها كانت موجودة في أوروبا والبحر المتوسط خلال الحكم اليوناني والروماني، وهناك من يرجع إنشاء المدرجات الزراعية في أوروبا إلى 8000 عام تقريباً. وقد اعترفت “اليونيسكو” بعدد من المواقع التي تعنى بالمدرجات الزراعية مثل مساطب الأرز الموجودة في “كورديليرا” بالفلبين ومنطقة “هاني” الصينية مما أضاف لها أداة تسويقية فعالة تعزز السياحة الزراعية.
أما في الوطن العربي فتشير الموسوعة العربية إلى أن «فكرة المدرجات الزراعية ظهرت في اليمن، في فترة القرون الأولى التي سبقت وتلت الميلاد، وفي شمال افريقيا وبلاد الشام.. وغيرها». “ولا تزال المدرجات الزراعية ” تستخدم في كثير من السفوح الجبلية والوديان في مصر والمغرب والجزائر وتونس وفي جبال نفوسة والجبل الأخضر في ليبيا وفي أودية أو سفوح كثير من جبال القلمون والحرمون والساحل في سورية وفي لبنان والأردن وفلسطين وجبال شبه الجزيرة العربية “.
وفي المغرب ” يعمل مشروع إعادة تأهيل المدرجات، بتعاون بين المرصد الجهوي للبيئة والتنمية والمديرية الإقليمية للقلاعة في أكادير والوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، على تنفيذ برنامج تدريبي وإعلامي لتقاسم المعرفة في منطقة عدد من القرى، وقام بإعادة تأهيل المدرجات وغرس أنواع نباتية ذات فائدة من قبيل أشجار الأركان واللوز والصبار”.
أما في عُمان فيتميز الجبل الأخضر بمدرجاته الزراعية البديعة، التي أهلته ليكون واحداً من أهم وجهات السياحة الزراعية في الوطن العربي.
وفي السعودية نجد أن المدرجات الزراعية قد عاصرت في وجودها تأسيس القرى الذي يمتد إلى أكثر من أربعة قرون في بعض المناطق الريفية، خلال فترة الانتعاش الزراعي التي تضاءلت اليوم بسبب الانخفاض الملحوظ في كميات مياه الأمطار إلى درجة كبيرة مما أدى إلى هجرة السكان من القرى إلى المدن القريبة.

المدرجات الزراعية و “اليونسكو”
على الرغم من أن بعض المواقع الزراعية قد أدرجت ضمن مواقع التراث الثقافي العالمي؛ إلا أننا لا نجد أي موقع زراعي عربي ضمن المواقع التراثية التي تم الاعتراف بها من قبل اليونسكو.
كما أطلقت منظمة الأغذية والزراعة في عام 2002 “مبادرة النظم الزراعية التقليدية ذات الأهمية العالمية التي هي بمثابة برنامج عالمي للمحافظة على النظم الزراعية الأصيلة وإدارتها بصورة ملائمة بدعم من صندوق البيئة العالمي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونيسكو”. مما يعني أنه يتعين على الدول العربية بذل المزيد من الجهود لإضافة مواقع زراعية تراثية إلى قوائم المنظمة الدولية لتوفير المزيد من الحماية من التعدي والمحافظة عليها من الاندثار.
الاستجابة للتغيرات الطبوغرافية والمناخية
تعد المدرجات الزراعية من الأساليب الزراعية التي يتم استخدام منحدرات التلال والجبال والسفوح لزراعة المحاصيل وهي عادة ما تكون على شكل سلالم تتدفق المياه منها بشكل متتابع وهناك نوع آخر من المدرجات المستوية التي عادة ما تستخدم في الأودية والسهول. أي أن صناعة المدرجات الزراعية تأتي استجابة للتضاريس الجبلية والانحدارات والمرتفعات التي تتشكل منها أجزاء كبيرة من المنطقة الجنوبية، حيث تقوم بالاحتفاظ بالتربة الزراعية، إضافة إلى احتجاز مياه الأمطار التي تعد المصدر الرئيسي لمياه الري قديماً. وهنا عمدت وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية إلى استخدام تقنيات للمحافظة على كميات كبيرة من مياه الأمطار لاستخدامها في الزراعة، حيث “تعتبر المدرجات الزراعية حاجزاً مائياً يتم من خلاله تجميع مياه الأمطار ومنها تتسرب إلى الآبار القريبة، ومن ثم يتم استغلالها للزراعة”.

حصاد مياه الامطار

يشير الخبراء إلى أنه لولا المدرجات الزراعية لتعطلت أجزاء كبيرة من المواقع القابلة للاستزراع والانتاج في العالم ولكونها تعتمد بشكل أكبر على حجم المياه المتوفرة لرفع مستوى الأمن الغذائي والمحافظة على مغذيات التربة في المزارع فقد سعت وزارة البيئة والمياه والزراعة إلى تنفيذ مبادرة طموحة تهدف إلى” حصاد مياه الأمطار من خلال إنشاء خزانات خرسانية وإقامة سدود صغيرة عبارة عن “عقوم” لتهدئة سريان المياه وتجميع المياه العابرة للأودية بعد هطول الأمطار لري المزروعات في المدرجات”.

علم آثار المناظر الطبيعة

حتى أواخر القرن العشرين لم تكن النظرة إلى المدرجات الزراعية على أنها ذات قيمة تاريخية أو ثقافية حتى ظهر علم آثار المناظر الطبيعية الذي انتشر بشكل كبير في أماكن مختلفة من العالم. وهناك عدد من أنظمة المدرجات التي تم تحديدها على أنها مساحات تراثية لتفاعلها بين الإنسان والطبيعة إضافة إلى دورها الجمالي الذي يمثل عنصر جذب للسياحة الريفية.

المحفزات الاجتماعية

ولكن؛ هل المدرجات الجبلية جاءت نتيجة للبيئة المتغيرة في المناطق المرتفعة والمستوية أم أن هناك – أيضا – ضغوط اجتماعية أدت إلى نشوئها تلبية للاحتياجات الحياتية للسكان؟
لقد حظيت بمحفزات من البيئة الاجتماعية التي تعتمد على معايير اجتماعية مثل تحديد مستوى المُزارع المادي والمعنوي بقدر ما يملك من أراض زراعية ومنها المدرجات الزراعية ومن هنا عبرت إلى الثقافة في فهم تطور هذه المدرجات.

الهجرة العكسية

وهنا يبرز سؤال عن ماهية الأسباب التي أدت إلى تدهور وتهميش المدرجات الجبلية سواء من الناحية الهيكلية البنائية أو من الناحية الاقتصادية؟
بعيداً عن الاجابة التقليدية التي تركز على عدم توفر الاحتياجات الذاتية والأسرية للمزارع كالمؤسسات التعليمية العليا وبعض الهيئات الخدمية التي لم تكن متوفرة في القرى والأرياف حتى نهايات القرن الماضي يبرز التوسع العمراني وتناثر المباني في مساحة واسعة من الأراضي المحيطة بمركز القرية التقليدي المتمثل في المسجد والمحال التجارية المتواضعة المحيطة به؛ أي أن بقاء المدرجات الجبلية أتت استجابة لأوجه متعددة مما أدى إلى انخفاض عدد السكان الأصليين وتحولت معظم القرى إلى مجرد سكن للرعاة والعمالة الوافدة إضافة إلى مجموعة من العوامل ومنها تحول السمات الريفية الى السمات الحضرية وتدني مستوى الانتاج الزراعي نتيجة لتغير الظروف المناخية ، هنا تسعى وزارة البيئة والمياه والزراعة إلى تشجيع ” العودة إلى المناطق الريفية، وبالتالي التمكن من تحقيق الهجرة العكسية من المدن إلى القرى وهذه أهم المكاسب التي يتم تحقيقها وفق رؤية 2030″.

الأنشطة والبرامج السياحية

عادة ما يتم تضمين البرامج السياحية مجموعةً من الأنشطة مثل مشاركة السياح في الزراعة والتعرف على المعدات التقليدية التي كانت تستخدم في الماضي ومنها طريقة استخراج المياه من الآبار باستخدام أدوات ذات أسماء محلية مثل ” الغَرَب”، والحبال الجلدية التي يطلق عليها ” المَرَص”،و” المحراث”،و” المَحَش ” واستخدام الحيوانات في الحرث والسقيا و” الدِياس” ونقل المنتجات عن طريق ” الحمير والجمال ” وكيفية استخراج الزبد والسمن من ألبان الحيوانات.
ويمكن القول أن هناك العديد من الأنشطة الاضافية التي يمكن ممارستها من قبل السياح ومنها تجربة بناء الجدران الحجرية للمدرجات الزراعية بدلاً من مجرد التحديق في المناظر الطبيعية. وهي طريقة جديدة للتفاعل مع المدرجات الزراعية فالعلاقة بين السياحة والزراعة تبادلية مما يتطلب تخطيطا تشاركيا بين المجتمع المحلي والعاملين في القطاع السياحي؛ إذ لا يمكن اعتبار السياحة بديلا عن الزراعة حيث يمكن للمزارعين تقديم تجربة فريدة للسياح من خلال جلب الأحجار من المقالع القريبة والانغماس في تجربة الحصاد والدياس والتنزه وقطف الثمار. مع التأكيد على أن زيارة الأرياف بمدرجاتها الزراعية ليست هدفا في حد ذاتها وإنما لتحسين أوضاع المجتمعات الريفية من حيث زيادة الدخل وتمكين المرأة من العمل وتنشيط الصناعات الحرفية والزراعية.
إن نجاح السياحة الزراعية سيجعل منها “محطة استقطاب للرحلات الجماعية التي تنظمها شركات ووكلاء السفر وهذه الرحلات سيكون لها ارتدادات على مختلف القطاعات من فنادق ومطاعم وغيرها من المرافق السياحية في كل منطقة يزورها السياح، بالإضافة الى تضاعف فرص اجتذاب المستثمرين والممولين لدعم المشاريع المماثلة وخلق غيرها”.
للمدرجات الزراعية فوائد.. ولكن!
صحيح أن زراعة المدرجات تمنع انجراف مغذيات التربة عند هطول الأمطار. وهذا يؤدي إلى نمو المحاصيل العضوية في تربة مشبعة بالمياه التي تقود – في معظم الدول – إلى زراعة المزيد من المحاصيل التي تتطلب كميات كبيرة من المياه؛ إلا أن تشبع المدرجات بمياه الأمطار قد يسبب فيضان المياه بدرجة تهدد وجود المدرجات نفسها نتيجة لما قد يحدث من انهيارات طينية ما لم يتم اتخاذ إجراءات فعلية لصيانتها بصفة دائمة رغم ارتفاع كلفة عمليات إعادة البناء والصيانة والحاجة إلى كثافة عالية من العمالة.

تأهيل المدرجات الزراعية في السعودية

3 ملايين متر مربع هي المساحة التي شملتها المرحلة الأولى من مبادرة تأهيل المدرجات الزراعية وتقنيات حصاد مياه الأمطار في الجنوب الغربي من السعودية بتكلفة بلغت 62 مليون ريال تمثل الميزانية المرحلية للمبادرة التي تنفذها وزارة البيئة والمياه والزراعة بالتعاون مع مجلس الجمعيات التعاونية في خطوة ذكية لإشراك تلك الجمعيات في تنفيذ المبادرة التي تبلغ المساحة المستهدفة لها 2500 هكتار بمعدل 600 هكتار لكل من المناطق التي تشملها المبادرة في جبال السروات.

وأخيرا، يمكن القول ان السياحة الزراعية في المملكة العربية السعودية ومنها سياحة المدرجات الجبلية تستعد للانطلاق بآلية جديدة تتضح ملامحها بعد الانتهاء من المبادرات التي أعلنت عنها الدولة وتعمل الجهات الحكومية والخاصة على انجازها بشراكة واسعة مع المجتمع المحلي وخاصة العاملين في القطاع الزراعي والمهتمين بصناعة السياحة بالمملكة.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on print
هل لا تستطيع التعليق؟
  • تعليقك يتم عبر استخدام حسابك الآمن على فيسبوك.
  • يجب تسجيل دخولك على فيسبوك حتى تتمكن من التعليق.
  • يمكنك تسجيل الدخول على فيسبوك بأي وسيلة معتادة لديك، ثم العودة لهذه الصفحة للتعليق.
  • كما يمكنك تسجيل دخولك بالنقر داخل صندوق التعليق، وحينها سيظهر لك زر الدخول الأزرق، والذي سيفتح نافذة مستقلة تدار عبر موقع فيسبوك ذاته، لإجراء التعرف الآمن على حسابك.
  • لا ننصح بتسجيل دخولك على فيسبوك من جهاز غير شخصي، أو عام، أو تشاركي. وإن اضطررت لذلك فيجب عليك تسجيل الخروج قبل ترك الجهاز.
  • ننصحك بتفعيل مربع Also post on Facebook الموجود أسفل صندوق التعليق. وحينها سيتم نشر تعليقك على صفحتك بموقع فيسبوك أيضا متضمنا رايك وصورة المقال، وذلك حتى يتمكن أصدقاءك من مشاهدة تعليقك والتفاعل معه.