منذ فجر التاريخ ابتكر المصري القديم طرقاً حديثة لمواجهة الأمراض المعدية والأوبئة التي أصابت بعض المدن على مدار التاريخ المصري القديم بمختلف حقبه الزمنية ، ورغم ما جلبته الرحلات التجارية والمعارك العسكرية من أمراض معدية إلى مصر القديمة ، فإن سلوكيات المصريين وتطورهم في علم الطب ، مكّنهم من تحقيق انتصارات ضد الأوبئة على مدار 5 آلاف سنة ، وبداية من الدولة القديمة حتى العصر المتأخر، كانت الرعاية الصحية شيئاً مهما في مسؤوليات الملوك والملكات ، وحظي الأطباء وقتها بمكانة كبرى لدورهم في إعداد وصفات علاجية لأمراض القلب والجهاز الهضمي وتسوس الأسنان والأوبئة ، إضافة لإجراء العمليات الجراحية.
“عقابًا من الآلهة إصاب الإنسان دون غيره من الكائنات الحية.. عقابًا سلط بعوضة لتقضي علي ذلك الشر الذي سيطر علي بلادنا”.. هكذا عبر المصري القديم منذ أكثر من 3500 عام مضت ، حينما أصيبت أرض مصر بوباء الملاريا، وباء قضي علي الكثير من القري والمدن، وبلغت قوته أن قضت علي الملك توت عنخ أمون، وذلك طبقًا لنتائج تحليل الحمض النووي والمسح بالأشعة المقطعية لمومياء الملك ، والذي توفي عام 1325 قبل الميلاد، والتي أثبتت وفاته متأثرًا بمضاعفات مرض الملاريا ، وهو ما أكدته البحوث الآثرية والطبية علي المومياء.
ورغم أن الملاريا لم تترك أي أثر مرئي علي الممياوات ، إلا أن تحاليل الحمض النووي لها، أكدت وجود ثلاث جينات لطفيلية تسبب الملاريا لدى 4 موميات، من بينها مومياء توت عنخ آمون، وهو ما يجيب علي بعض التساؤلات المهة حول عادات المصريين القدماء ، أهما الأسباب الحقيقية التي دعت تناول بناه الأهرامات لكميات كبيرة من الثوم؟، ربما لحمايتهم من الملاريا، وجدوي استخدام الملك سنفرو مؤسس الدولة الرابعة، والذي حكم في الفترة 2613-2589 قبل الميلاد، وكليوباترا، والتي حكمت في الفترة 44-30 قبل الميلاد، للناموسية؟، هل لتجنب قرصات البعوض؟، ولكن الأكيد أن وباء الملاريا انتشر في مصر قبل 2800 عام.
العديد من البرديات المصرية القديمة ، وعلي رأسها برديات، تشستر بيتي الطبية، الراميسيوم الطبية، كاهون، إدوين سميث، هاريس، إيبرس، لندن، برلين، كارلسبرج ، بروكلين، بروغش، أكدت ممارسة المصريين لما يسمي بـ”الطب الوقائي” للحماية من الأمراض المعدية، خاصة بعد إصابة ووفاة عدد كبير من سكان مدينة تل العمارنة بمرض الملاريا، كما أثبتت نجاح الطبيب “الكاهن سخمت” في وضع علاج لأمراض الملاريا والجدري، كما تشير بردية إيبرس والممارسات الطبية، والتي تعد أقدم وثيقة علاجية في التاريخ يعود عمرها لأكثر من 3500 عام.
الملاريا أول وباء ضرب مصر في عصر الأسرات … والكوليرا هاجمت مصر ثلاثة مرات في نصف قرن :
قد أكد المؤرخين المعاصرين أن مدينة الأسكندرية كان أول المدن إصابة بالطاعون، ونتيجة للاحتكاك مع الغرب الذي يمتلك خبرة مواجهة الأوبئة ، لذا تم تطبيق مبدأ العزل علي الحالات المصابة ، وتم إنشاء مراكز الحجر الصحي في حافة المدينة ، وكان كل من يخالف قرار الابلاغ عن مُصاب أو متوفي بالطاعون يتعرض للقتل بالرصاص، وفي نهاية عام 1837 توفي ما يقرب من 75 ألف قاهري ، و125 ألف مصري آخرين، وبعد خمسة سنوات عاد الطاعون من جديد عام 1841، عندما انتشر الوباء في شمال مصر، وقد أخفي أهلي القري المصابة امر الوباء خوفًا من إجراءات الحكومة المصرية ، وفي إحدي قري الغربية قام الأهالي الناجون بقتل الجنود الذين أرسلهم محمد علي، ولعدة ساعات منعوا القوات المعززة حتى من استرداد جثثهم، في حين نجحت القوات في قري أخري في السيطرة علي المصابين.
 كانت عملية المواجهة تتم بكل حزم وقسوة ، فقد تم فرض تدابير قوية جدا ضد الطاعون، فقد كان يتم عزل القرية بأكملها دون دخول أو خروج أي شخص، وكانت لدي الجنود أوامر بإطلاق النار وقتل من يخالف ذلك، وداخل القرية كان يتم حرق ملابس المصابين، وفصل المصابين بيعضهم البعض، استمر المشهد بهذا الشكل حتي أواخر عام 1844، لتصبح مصر بعدها دولة خالية من الطاعون.
إيبرس أقدم وثيقة علاجية في التاريخ عمرها 3500ق.م:-
بردية أيبرس هي أشهر وأطول وأضخم بردية طبية ، والتى تعد أقدم سجل تاريخى لوثيقة علاجية محفوظة حتى الآن ، ويرجع تأريخ البردية إلى القرن السادس عشر ق.م ، ذلك لأنها تحمل تاريخ السنة التاسعة من عهد الملك ” أمنحتب الأول ” ثانى ملوك الأسرة الثامنة عشرة ، وذكر ايضا أنها تعود لعصر أمنوفيس الأول بالرغم من وجود أبحاث ترجح عودتها لعهد الملك أحمس ، وتتألف من 110 صفحة بطول 21 مترا وعرض 30 سم متضمنة ما يقارب من 700 وصفة علاجیة لحالات مرضیة عديدة وهى عبارة عن مجموعة مؤلفات وبحوث فى مواضيع من أكثر من أربعين مصدراً مختلفاً، ويتم تداول صور البردية على صفحات وسائل التواصل الإجتماعى المهتمة بشئون الآثار.
وعُثر على البردية فى الأقصر عام 1863م وسمیت بهذا الإسم تیمناً بعالم المصريات القديمة ألمانى الأصل جوروج إيبرس الذى اشتراھا فى الأقصر عام 1872م ، ونقلها لجامعة لايبتسج الألمانية حيث كان يعمل رئيسًا لقسم المصريات وحيث تقيم البردية حتى يومنا هذا ، وتُرجمت للكثير من اللغات ، ترجمة هيروغليفية قيمة لهذه البردية ، وقد حاول جواشيم عام ١٨٩٠ ترجمة هذه البردية وطبعها في كتابٍ خاصٍّ، ولكنه في الواقع لا يفي بالغرض المطلوب ، كُتِبت هذه البردية أصلًا باللغة الهيراطيقية وكانت واضحة تمام الوضوح ، وكانت رءوس الموضوعات وما شابهها مكتوبة الحبر الأحمر.
علم الأرقام في مواجهة الأمراض في مصر المصرية :-
تصور المصري القديم أن هناك أيام في السنة منحوسة ، وتنبأ فيها بأشياء سيئة وبعضها كان يُنذر بسوء الطالع ، وكانت تلك الأيام مليئة بالمخاطر إذ كانت تفرض علي الناس المزيد من القيود من أجل تجنب الإصابة بالوباء ، ومن يُخالف ذلك أوقع نفسه في فريسه الهلاك بالوباء ، فالبعض يموت إذ ولد في تلك الأيام عن طريق وباء بالطاعون أو بإحدي الأمراض الجلدية ، وكان لابد من كل فرد أن يعرف أيام النسئ الخمسة لكي يحمي نفسه من الوباء ، فارتدي بعض التعاويز كتمائم للحماية من تلك الأوبئة ، وأعتقد القدماء أن الإنسان يصاب بتلك الأوبئة بسببين : (أسباب ظاهرية) ويقصد بها الأمراض الظاهرة مثل الكسور والجروح وهي الأمراض غالبا ما تعالج بعقاقير طبية وتزول ، و(أسباب خفية) وتتمثل في الأمراض التي لا يُعرف سببها ويصعب علاجها ، وأعتقد أنها ترجع إلي غضب الألهة وكانت تعالج هذه الأوبئة بالتعاويذ السحرية.
الطب المصري القديم :
يعتبر الطب لدي المصريين القدماء من أقدم الطب الموثق ، من بدايات الحضارة في أواخر الألفية الرابعة ق.م. وحتى غزو الامبراطورية الأخمينية عام 525 ق.م ، لم تتغير الممارسة الطبية المصرية إلى حد كبير ولكنها كانت متقدمة للغاية في وقتها، بما في ذلك الجراحة البسيطة غير المخترقة للجسم، ووضع العظام، وطب الأسنان، ومجموعة واسعة النطاق من المعلومات الدوائية ، أثر الفكر الطبي المصري على التقاليد اللاحقة، بما في ذلك الإغريق.
يعد كتاب بردية ادوين سميث كتابًا مرجعيا عن الجراحة ويوضح تفاصيل الملاحظات التشريحية و “الفحص والتشخيص والعلاج وتوقعات سير المرض” للعديد من الأمراض ، ربما كانت مكتوبة في حوالي عام 1600 ق.م.، ولكنها تعتبر نسخة من العديد من النصوص السابقة ، يعود تاريخ المعلومات الطبية فيها إلى عام 3000 ق.م ، وبالتالي ينظر إليها كدليل التعلم ، تتكون العلاجات من مراهم مصنوعة من مواد حيوانية أو نباتية أو فواكة أو معادن ، هناك أدلة على إجراء عملية جراحية عن طريق الفم في وقت مبكر من الأسرة الرابعة (2900-2750 ق.م.
الكلمة المصرية القديمة للطبيب هي “swnw”. هذا العنوان له تاريخ طويل ، أقدم طبيب مسجل في العالم، “حسي رع “، تدرب في مصر القديمة ، وكان يشغل منصب “رئيس أطباء الأسنان والأطباء” للملك زوسر، كان هناك العديد من الرتب والتخصصات في مجال الطب كان هناك مفتشون للأطباء والمشرفين وكبار الأطباء ، المتخصصون المصريون القدماء المعروفون هم أخصائي طب العيون ، أخصائي طب الجهاز الهضمي، طبيب أسنان، “طبيب يشرف على الجزارين” و “مفتش سوائل” غير محدد ، سميت المؤسسات الطبية بإسم “پر عنخ ” أو بيوت الحياة ، تأسست في مصر القديمة منذ الأسرة الأولى.

كاتب المقال باحث أثري بجامعة جنوب الوادي.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on print
هل لا تستطيع التعليق؟
  • تعليقك يتم عبر استخدام حسابك الآمن على فيسبوك.
  • يجب تسجيل دخولك على فيسبوك حتى تتمكن من التعليق.
  • يمكنك تسجيل الدخول على فيسبوك بأي وسيلة معتادة لديك، ثم العودة لهذه الصفحة للتعليق.
  • كما يمكنك تسجيل دخولك بالنقر داخل صندوق التعليق، وحينها سيظهر لك زر الدخول الأزرق، والذي سيفتح نافذة مستقلة تدار عبر موقع فيسبوك ذاته، لإجراء التعرف الآمن على حسابك.
  • لا ننصح بتسجيل دخولك على فيسبوك من جهاز غير شخصي، أو عام، أو تشاركي. وإن اضطررت لذلك فيجب عليك تسجيل الخروج قبل ترك الجهاز.
  • ننصحك بتفعيل مربع Also post on Facebook الموجود أسفل صندوق التعليق. وحينها سيتم نشر تعليقك على صفحتك بموقع فيسبوك أيضا متضمنا رايك وصورة المقال، وذلك حتى يتمكن أصدقاءك من مشاهدة تعليقك والتفاعل معه.