ميسون غزلان

البداية كانت قبل الميلاد بأربعة آلاف عام، عندما نحت البابليون ألواحًا طينية تحتوي على طرق لإعداد المأكولات، فيما كتب الشاعر الإغريقي أركسترتوس أكثر من ألف قصيدة يتغنى فيها بحبه للطعام، ويروي من خلال أبيات غزله بعض الوصفات وطريقة تحضيرها، كان معظمها خلال ترحاله بين بلدان حوض المتوسط، وأطلق على الكتاب اسم “جاسترونوميا”.

كتب الطبخ التي كانت نادرة في حقب زمنية قديمة، لكنها حملت تاريخ تلك المطابخ، والتي كانت ستبقى دون تاريخ لو أن الناس القدماء لم يدونوا.
وتعود الولادة الأولى لكتب فن الطبخ على الصعيد العربي إلى العصر العباسي، لابن سيار الوراق في القرن العاشر بكتابه “كتاب الطبيخ”.
في حين يعتبر أشهر كتب الطبخ العربية في العالم، كتاب الطبيخ السوري “الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب”، والذي كتب في القرن الثالث عشر أي قبل ثمانية قرون.

ويعود تأليف الكتاب بحسب ما يرجح مؤرخون لابن عديم، في حين يحوم الشك عن حقيقة تأليفه واسم مؤلفه، الذي يستعرض فيه طبخات تلك الحقبة.
جمعت وصفات الطبخ في كتاب “الحبيب” يدويًا وانتقلت بهذه الطريقة لأجيال، ويوجد منها عدة نسخ مختلفة يطلق عليها “المخطوطة أ” و”المخطوطة ب”.
ويقول المؤرخ الأمريكي تشارلز بيري إن نسّاخ هذا الكتاب لم ينسخوه من مخطوطات كانت موضوعة أمام أعينهم، بل كانت تتم قراءة الوصفات لهم.
وصدرت ترجمة إنكليزية لكتاب ”الوصلة إلى الحبيب في وصفات الطيبات والطيب” تحت عنوان “النكهات والطيب- كتاب الطبخ السوري”، للمترجم والمؤرخ الأمريكي تشارلز بيري.

ويحتوي الكتاب على مأكولات وحلويات سورية شهيرة مثل “لقمة القاضي” (العوامة) و”كل واشكر”.

جمعت الوصفات الموجودة بالكتاب في سوريا، في عصر أسماه تشارلز بيري بالعصر الذهبي لكتب الطبخ العربية.
وبعد أكثر من سبعة قرون صدرت الوصفات في كتاب ثنائي اللغة نشره مشروع “اللغة العربية”.

يقول تشارلز بيري في مقدمة الكتاب الذي ترجمه، إنه ما من شك أن الكتاب تحول في عصره إلى ما يشبه الكتاب الأكثر رواجًا “فقد وصلتنا نسخ منه أكثر بكثير من جميع كتب طبخ العصور الوسطى الأخرى ويضيف بيري أن “الأطباق المعروضة أيضًا تفوح بروائح قوية عطرة ليس فقط برائحة الأعشاب والمكسرات والتوابل، بل في بعض الأحيان مكونات نعتبرها عطورًا كماء الورد والمسك أو العنبر، ويشير إلى أنه من الممكن العثور عليها في المطبخ السوري حاليًا”.

عرف المطبخ الحلبي بتميزه عن المطابخ العربية والشرق الأوسطية الأخرى ويعتبر المطبخ الحلبي الأشهر في بلاد الشام بمأكولاته الغنية والمتنوعة من حيث النكهة والتلوين ومزج النكهات مع بعضها البعض مثل (الحلو والحامض)، حلب بالذات مشهورة بأكلاتها اللذيذة، وما هو معروف عن أهلها بالذواقة لّلقمة الهنية، فهي عاصمة الفن والطعام بالشرق الأوسط.

خصائص التميز في المطبخ الحلبي يقول حسان خوجة من جمعية الذواقة السورية في دراسة عمل عليها في تقييم وتوصيف للمطبخ الحلبي واصوله:
1-المطبخ الحلبي هو فن الطهي المستوحى من روح عدة حضارات:
كما هو معروف عن مدينة حلب، فهي إحدى أقدم المدن المأهولة بالسكان في العالم، فهي مسكونة منذ بداية الألفية السادسة قبل الميلاد. وتعتبر حلب من أكبر المدن ببلاد الشام، فقد كانت في البدء عاصمة لمملكة يمحاض لسلالة العموريين، وتعتبر مملكة العموريين التي أسست على الأراضي السورية وأراضي ما بين النهرين هي أول دولة في تاريخ الإنسانية. وتعاقبت عليها بعد ذلك حضارات عدة، مثل الحثية والأرامية والأشورية والفارسية والإغريقية والرومانية والبيزنطية والإسلامية.

إن سوريا مهد الفنون، العلوم والديانات. منذ المنشأ، يمكننا أن نجد أقدم الرسوم الجدارية، المنحوتات الدينية أو الزخرفية، الأرث الثقافي والعلمي في مجال الرياضيات، الفلسفة وكذلك علم الأساطير. كل ذلك ساهم في يقظة الحضارات.

برزت حلب في العصريين الأموي والعباسي وأصبحت عاصمة لدولة الحمدانية، وفي العصر العثماني تنامت أهمية حلب حتى صارت ثالث أهم مدينة في الإمبراطورية العثمانية بعد الاستانة والقاهرة، مروراً بالحضارات التي قامت عليها منذ ألاف السنين وموقعها الجغرافي بين أسيا وأوروبا وافريقيا فقد لعبت حلب دوراً كبيراً في التجارة واستقطاب التجار من كل أنحاء العالم فكانت المركز التجاري لتلاقي القوافل من أوروبا والهند والصين وسائر بلاد المشرق والمغرب محطاً لهم، وسوقاً رائجة، ومستراحاً لكل قادم ولا سيما العابرين من طريق الحرير لإن حلب كانت عقدة وصل طريقي الحرير الأول من اليمن وأفريقيا والثاني من الصين والهند مروراً ببلاد ما بين النهرين. وقد أفادها ذلك في اكتساب موارد جديدة دخلت على مطبخها من حيث التقنيات والنكهات والبهارات وغيرها من الموارد، مما أعطى أهالي حلب خبرات كبيرة في الطبخ برفاهية، مع إضافة الحس الحلبي كي يرضي كافة الأذواق من أهالي حلب والمسافرين من شتى بقاع العالم القديم.

وكثيراً ما نلتمس بالمطبخ الحلبي والمائدة الحلبية التميز والتنوع بعدة جوانب متزاوجة من عدة حضارات مثل التركية والفارسية والأوربية والصينية والهندية والأرمنية. كل هذا التمازج شكل أساسات ومعايير للوصفات التي توارثت عبر الأجيال ومن بيت إلى بيت مع قليل من الفوارق والاجتهادات الخاصة لدى كل عائلة حلبية.

2-إعداد وتحضير وصفات تشبه وصفات في حضارات أخرى

كثيرا ما نتلمس بعض الفوارق، ًفمثلا تتميز أوعية الطعام والمائدة في حلب بوجود الصحن والملعقة
الصينية ذات الحواف العالية والتي لا مثيل لوجودها في كافة الوطن العربي وهي من الصين عبر قوافل
طريق الحرير.

3-أهمية الطبخ من موقع مدينة حلب
إن موقع حلب الذي يقع على خطوط ومعابر فتحات جبلية جعلها معزولة جغرافياً، مما منحها الوقت
الاكبر والاهتمام الاوفر ليتنافس المجتمع مع نفسه في التفنن بأصناف المأكل والمشارب والحلويات،
فأي ملتقى اجتماعي حلبي على أي مستوى كان وأي دخل مادي لا بد وأن يتبعه طعام ومائدة
وضيافة وتفاخر ومتعة بالتفاخر.
كيف تطورت الوصفات
إن خبرة أهالي حلب سواء طهاة أم ذواقين رفعت من مستوى الإحساس فكرياً بالطعم وتصوراته. من
هنا انطلقت التجارب في تطوير الوصفات، مثلا: البندورة عمرها في حلب قادمة من مصر ما يقارب مائة
عام. قبلها كانت الأطعمة تطهى من دون عصيرها، اما كانت تؤكل خضراء وتخلل وعندما تنضج وتصبح
حمراء ترمى مع النفايات ويقال عنها (مع الاعتذار) “صارت وخم”. إن تطور تناولها جاء معتمداً هذا الفكر
وصارت تؤكل ناضجة وعصيرها يحفظ مكثفاً ومملحاً.
الحس الراقي لأهل حلب نتيجة التقدم والتحضر
إن التجارة التي نعمت بها مدينة حلب عرّفت الأهالي على موارد كثيرة من الأغذية والتوابل وغيرها مما
دفع إلى التجريب والتذوق برفاهية حتى أصبح حسّ الطعام للحلبيين متميزاً. فنجد فوارق طفيفة جداً
في تعدد الوصفات للمادة الواحدة (عدا بعض الاستثناءات) مما يدل على إحساس عالي في التذوق
لأدنى تغيير في النكهة .
نجد الأرز بالحليب والشعيرية بالحليب
نجد كبةمقليةكبة لبنية
نجد السماقية وسماقية الباذنجان
والمحاشي بأنواعها
والعديد من الوصفات للنوع الواحد مع تغيير في أسلوب المعالجة للطهي وخير مثال على ذلك الكبة،
حيث سجل عدد أنواعها يقارب الخمسين نوعاً. لكن لو دققنا النظر لوجدنا أنها مقسمة إلى مجموعات،
كل مجموعة تختلف عن الأخرى بأشياء بسيطة جداً فيما بينها
أسس تقييم الوصفات مبني على التذوق
إن الحس الراقي بالطعام المتميز عند مجتمع حلب شكـّل أرضية خصبة لابتكار أصناف عديدة من
المأكولات سواء كانت موادها الأولية رخيصة الثمن أم باهظة فالتقييم لديهم يعتمد بشكل أساسي
على لذة الطعم وجودة الإعداد وصنعته لا على الثمن أو الندرة.
فمثلاً يذكر التاريخ أنه هناك من أعدّ طبقاً من لسانات نوع نادر من السمك وهذا لا شك باهظاً وقلائل
هم من يستطيعون عمل شيء كهذا، لكن الحلبيين لا يعني هذا لهم شيئاً ولا يهتمون به فهم يحبون
الطعام الشهي ويصرّون على إبراز النكهة الأساسية للمادة المطهية ويستعملون التوابل الاظهار الطعم
ولا يسمحون للنباتات العطرية أن تخفي هذا الطعم ولذلك نجد خلطات البهارات الحلبية بارعة أمام غياب
الأعشاب العطرية مثل الكزبرة الخضراء والكرفس والطرخون وروزماري وغيرها.
وفي البحث عن المطبخ الحلبي في بعض من المدونات عن تاريخ المأكل والمشرب، بناء واستنتجنا بعض من النظريات وكيف انعكست تلك الحضارات على المطبخ الحلبي.
المطبخ الحلبي هو أحد أسس فن الطهي في الشرق الأوسطيقول محمود اورفلي حسب دراسة خاصة لتقييم المطبخ الحلبي العريق
وهو ذو قاعدة غنية بالتقنيات المطبخية وهذه التقنيات متعددة وكثيرة وتنقسم إلى قسمين:
القسم الأول:
هو تقنيات الطهي والحفظ التي تستخدم في إعداد الطعام في المطبخ الحلبي، وأغلبها موروثة منذ عدة قرون مضت وما زالت تستخدم حتى عصرنا الحالي، والتي تدخل فيها عدة من التفاعلات الكيميائية والتحويلات الفيزيائية التي يحدث من خلالها تغيرات باللون والشكل. مثل التخمير والتقديد والتجفيف والتخليل والتقطير والخبز وتقنيات صنع الجبن وحفظ الزيتون.
القسم الثاني:
هو التقنيات اليدوية المستخدمة في تحضير الطعام التي تحتاج حرفة ومهارة مثل، تقنيات الجزارة وصناعة الحلويات الشرقية.
تعتبر حلب مدرسة اللحامين لأن فن الجزارة له تقنيات خاصة من طريقة الذبح، السلخ، تسحيب العظم، التقطيع، الفرم، الخلط والتتبيل حتى آخر مرحلة وهي المشاوي، ومن المعروف عن حلب وشهرتها بتنوع أشكال الكباب والمشويات.
فن صناعة الحلويات الشرقية في حلب يعتبر من أهم المهن الفنون المتوارثة من جيل إلى جيل مثل صناعة الزلابية فهي متوارثة منذ عصر المأمون من قبل عائلتين فقط، وباقي أصناف الحلويات تكون غالباً محتكرة من قبل عدة عائلات تكون مختصة فقط في صناعة الحلويات التالية: صناعة غزل البنات، صناعة الناطف والحلاوة الطحينية، صناعة الحلويات العربية مثل البقلاوة وكرابيج حلب وتوابعها من الحلويات وأخر صناعة هي حلويات الضيافة التي تدخل فيها شراب اللوز، الراحة، المرزبان، الشوكولا، المربيات
المطبخ الحلبي هو المطبخ الكلاسيكي والحديث في وقت واحد:
لأنه يوجد العديد من التقنيات والمكونات كانت تستخدم منذ عدة قرون في المطبخ الحلبي وكنت أنا شخصياً لا أخذها بعين الاعتبار حتى رجعت للمطبخ الحلبي وصدمت بوجودها وهي أصلا تدخل في تكوين المطبخ الجزيئي الحلبي وأنا أود أن أسلط الضوء عليهم من جديد مثل السحلب وشرش الحلاوة والمستكة.
وقبل زمن بعيد وقبل أن يصبح المطبخ الجزيئي معروفاً، كنا نستخدم الكيمياء في إعداد الطعام وأخص بالذكر طريقة تحضير مربيات الضيافة حيث كان يتم نقع بعض من أنواع الفواكه أو الخضروات بمحلول الكلس للحصول على الشكل البلوري والقوام المقرمش مثل مربى القرعى، مربى النانرج، مربى الكباد، مربى الباذنجان، مربى الجوز الأخضر وأخيراً الزيتون المكلس.
المطبخ الحلبي هو الفصول الأربعة:
المأكولات بمدينة حلب تختلف على حسب الموسم في السنة وعلى حسب المكونات المتوفرة بكل فصل من السنة، فمأكولات فصل الصيف والربيع تختلف عن فصل الشتاء والخريف.
مأكولات فصل الشتاء والخريف:
تكون معتمدة على بعض من الخضار المتوفرة في هذين الفصلين وعلى أنواع من الخضار المجففة وعلى اللحوم أو الأطعمة المحفوظة بالدهن وذلك لعدم توفر كافة المكونات. والأكلات الشتوية تكون دسمة لثلاثة أسباب:
السبب الأول هو البرد
السبب الثاني لغرض الحفظ، فلم تكن هناك ثلاجات في السابق، ولذا كانوا يحفظون الطعام في أماكن عالية وباردة، وطبقة الدهن تساعد على تشكيل طبقة عازلة على وجه الطعام لحفضها من الحشرات والهواء والأكسدة.
السبب الثالث لأن الدسم بالطعام يعتبر أفضل وسيلة لتوصيل النكهات ولأن الدسم يساعد على نشر جزيئات النكهة ذات الطبيعة الزيتية.
مأكولات فصل الربيع وفصل الصيف:
تكون خفيفة وغير دسمة وتعتمد على الخضروات وزيت الزيتون. وتستخدم الخضروات في الطعام على حسب وقتها، ومونة فصل الشتاء تجهز في فصل الربيع والصيف وخاصة الجبنة والخضار المجففة مثل الباذنجان والقرع والبامية والفليفلة الحمراء الحلبية ودبس الفليفلة ودبس البندورة وكذلك موسم المربيات.
المطبخ الحلبي هو متعة تذوق الطعمات الستة الأساسية:
ويعرف التذوق بانه الإحساس الذي ينتج من عملية تفاعل كيميائي عندما تتلامس الأطعمة بالفم مع مستقبلات الخلايا الذوقية الموجودة على اللسان، وحاسة التذوق وحاسة الشم يؤثران على بعضهما ويساعدان على التمييز بين الطعمات والنكهات المختلفة.
ويمكن تصنيف الأذواق الأساسية إلى خمس أو ستة طعمات وهم: الطعم المالح والحامض والحلو والمر وسوف أشرح بالتفصيل عن الطعم الخامس والسادس ولكن من بعد دراسة وتعمق في صلب المطبخ الحلبي فهمت وأدركت لماذا الأكل الحلبي لذيذ وما هو السر وراء ذلك التميز؟
الطعم الخامس وهو الأومامي (Umami):
الأومامي هي كلمة يابانية تعني الطعم الخامس عند تذوق الأطعمة وذلك بالإحساس بالطعم الطيب واللذيذ،
العوامل المهمة لتذوق الأومامي هي عن طريق إحساس اللسان بالأذواق الأساسية الخمسة وهم الحلاوة، الحموضة، الملوحة، المرارة و الغلوتامات يعني الأومامي
تم إكتشافأومامي في عام ١٩٠٨ من قبل البروفسور كيكونايهإكيدا، الذي ركز على حساء داشي بالأعشاب البحرية، وأعلن أن مكونة الطعم الخامس هي الغلوتامات، وسماها طعم الأومامي يعني بالطعم اللذيذ.
توجد الغلوتامات في معظم الأغذية مثل اللحوم والدواجن والمأكولات البحرية والخضراوات والأجبان.
مثال على ذلك الطماطم أو البندروة فهي غنية بالغلوتامات بشكل خاص، وهذا هو أحد الأسباب وراء إستعمال الطماطم بشكل واسع في في بلاد البحر الأبيض المتوسط.
عرف الغرب الأومامي بشكل رسمي في أواخر العشرينات تقريبا، لكنه كان معروفا في الثقافات الآسيوية منذ مئات السنين. علاوة على ذلك فقد إبتكر اليابانيون أيضاً شكلا صناعيا له تحت إسمغلوتامات أحادية الصوديوم.
بعد رجوعي للبحث أكثر عن المكونات المحلية أدركت لماذا المطبخ الحلبي لذيذ لأن معظم الوصفات غنية بالأومامي من خلال إستخدام بعض من المكونات الرئيسية التي تدخل في معظم الوصفات، مثال على ذلك معجون الأومامي الحلبي وهو دبس البندورة الحلبية هذه المادة عبارة عن معجون الطماطم المجففة على أشعة الشمس وهي غنية جداً بالطعم الخامس ويستعمل دبس البندورة في كل اليخنات والمحاشي وخاصة في معكرونة أمي التي هي عبارة عن طعم أومامي مركز بإستخدام دبس البندورة الحلبية.
في إحدى الأيام لبيت دعوة على العشاء في بيت صديقي الشيف طارق إبراهيم وقررنا أن نطبخ سوياً فذهبت إلى السوبر ماركت لإختيار بعض المكونات فإذا بمكون يلفت إنتباهي!!! وهي أسطوانة تحتوي على مادة تسمى معجون الأومامي ذات الطعم الخامس، وبعد تذوقها اتضح أنها عبارة عن معجون البندورة المجففة مضاف إليها جبنة البارميزان والبعض من المكونات الأومامية الأخرى مثل الأنشوجة.
الطعم أخذني بالذاكرة مباشرة إلى طعم دبس البندورة الحلبية… فهنا أدركت أنه يجب علي العودة لدراسة وفهم المكونات المحلية وخاصة بعض المكونات التي كنت مستثنيها من قبل.
برأي أن الأومامي هو من أحد مفاتيح النجاح التي يجب على الشيف أخذها بعين الإعتبار.
الطعم السادس هو طعم الدسم :
وقد أكد بعض العلماء بأن طعم الدسم هو المكمل للطعمات الخمسة الأساسية واختلف بعضهم على أن الكوكومي هو الطعم السادس والمكمل وأنا أرى أن الإثنين متواجدان في المطبخ الحلبي وكلاهما يعطيان الإحساس بالطعم الكامل في الفم.
يعدّ الدسم من أحد أسس المطبخ الحلبي، ولأن الدسم يعتبر وسيلة تساعد على حمل جزيئيات النكهة لمدة أطول، فعند تلامسه باللسان يغلف ويحفز براعم التذوق بالإحساس الكريمي أو القشدي مع عمق بالنكهة.
الدسم يعطي الشعور بالطعم الكامل وله أثر بارز على قوام ونكهة الطعام.
المطبخ الحلبي هو مبني على المكونات المحلية الفريدة:
سورية بشكل عام تشتهر بجو معتدل وبمرور الفصول الأربعة على أراضيها. وبسبب الطبيعة الجغرافية لمدينة حلب وما يحدها من ريف غني بالثروات الحيوانية والنباتية فإن الوصفات الحلبية مبينة على المكونات المحلية.
يعتبر الريف الشرقي غنياً بالمراعي فالأراضي خصبة والمرعى رائع، فطعم لحم الغنم السوري مميز لأنه يعتمد على الغذاء العشبي العضوي. بالإضافة إلى اللحوم، يؤمن الريف الشرقي موارد الألبان والأجبان وتعتمد حلب على سهول الريف الغربي أيضاً لتأمين البقول والحبوب والزيتون والفواكه الصيفية مثل المشمش والدراق والكرز إلخ…
تؤمن التلال المحيطة الأعشاب العطرية، أما ضفاف نهر قويق فكانت تؤمن الخضار الطازجة لقربها من المدينة.
الريف الشمالي بين حلب وغازي عنتاب يؤمن الفستق الحلبي وبعض المكسرات مثل اللوز والجوز بالإضافة إلى الزيتون والزبيب وبعض البهارات المحلية، مثل الكمون والكزبرة الحب وحبة البركة.
وكون حلب عقدة وصل طريقي الحرير كما ذكرت فقد دخل على المطبخ الحلبي توابل جديدة من افريقيا مثل الصمغ العربي، أي المستكة، السمسم، القرفة وحب الهال. أما من الصين ومروراً ببلاد فارس، فقد أتت التوابل المعروفة مثل الفلفل الأسود، البهار الحلو، جوزة الطيب، القرنفل، الزنجبيل والزعفران. وبعد ذلك تم زراعة ما أمكن زراعته في حلب فأصبح من الموارد المحلية مثل الزعفران والسمسم.
المطبخ الحلبي هو فن التناغم في تطابق النكهات مع العبير والشذا:
من أسرار المطبخ الحلبي أنه يعتمد إبراز النكهة الأساسية للمكونات المستعملة في الطبخ وعلى التناغم في تطابق المكونات والنكهات، وليس فقط على التوابل والبهارات أو الطعم الحار كما هو مشاع عنه، فهذا تعريف فيه من اللغط الكثير.
المطبخ الحلبي غني بخلطات البهارات والتوابل وليس بكثرتها بالطعام وتضاف التوابل للطعام لتزكية الطعم وتعزيز النكهة. وأهم التقنيات المستخدمة في تحضير البهارات هي طريقة جرش البهارات على درجة خشنة لإبراز النكهة أكثر وللاحتفاظ بزيتية المادة ومنعها من التطاير بسرعة، وعند المضغ تعطي نكهة مميزة وطازجة مع العبير والشذا مثل الكمون، الكزبرة الحب والفليفلة الحمراء الحلبية.
يشتهر المطبخ الحلبي باستخدام الأعشاب والنباتات العطرية الجافة في الطبخ أكثر من استخدام الأعشاب الطازجة، والتي تستخدم بكميات معتدلة لكي لا تغلب على الطعم. مثال على ذلك،
دق الثوم مع النعناع اليابس وإضافته في المراحل الأخيرة في الطبخ لإبراز النكهة أكثر ومنعها من التطاير.
تحميص الملوخية بالمادة الدهنية، وتساعد هذه العملية على قتل المادة المخاطية في الملوخية وإكسابها نكهة مميزة.
فن التناغم في المطبخ الحلبي هو بتزاوج الطعمات بين المالح والحامض والحلو، مثل الكباب بالكرز وتعتبر هذه الوصفة ماركة مسجلة من توقيع حلبي. يستخدم فيها الكرز الحامض، ويسمى كرز الوشنة المطبوخ مع السكر لكسر الحموضة، والمضاف إليه كرات الكباب المشوية على الفحم، أي (الكفتة) ويقدم الكباب بالكرز على طريقة الفتة باستخدام الخبز كقاعدة لكرات اللحم ولصلصة الكرز مزين بالقرفة الناعمة والبقدونس والصنوبر المحمص. اما الكبة السفرجلية فيستخدم فيها السفرجل واللحمة، والتفاحية يستخدم فيها التفاح مع اللحم، واللحمة بالفرن يستخدم فيها الكرز والتفاح القصيري (الحامض(.
بقي ان نقولان الطبخ هو فن وصناعة يتمّ من خلالها دمج الأطعمة، وإضافة البهارات، والتوابل والمنكهات المختلفة إليها بأساليبَ، وطرقٍ مختلفةٍ بهدف جعلها جاهزة للأكل، وقد اختلف مفهوم الطبخ في العصر الحديث عن العصور القديمة فلم يعد الطبخ مهماً من أجل سدّ الجوع فقط، بل أصبح يهتم بالتفنّن في تحضير، وتقديم الأطباق المختلفة، والتنافس على إظهارها بأجمل الأشكال، وأغنى المكوّنات , وأصبحت له اكاديميات تتنافس في مهارات تقديمه ولعلها طرق ترضي الاحبة عن طريق المعدة والله اعلم.

1 عدد الردود

اترك رداً

تريد التعبير عن رأيك؟
كن حرا في المساهمة بتعليقك معنا

اترك رداً